في الثقافة

النهار في عيون الليل

النهار في عيون الليل

 

«يقذفني الليل الطويل، أركض في مساحاته، أجدني أغرق، أغرق في ظلمته»

كنتُ أقف بجانب النافذة فيما الأفكار تلطم شواطئ الذاكرة.. فالليل طويل مُطبق الظلام سوى من بعض أنوار بيوتٍ مجاورةٍ غير أنها بدت خافتةً باهتةً لا تبدد ظلامًا ولا تزيد أُنسًا.

كنت أبحث في السماء التي تسبح بها الغيوم عن قصرٍ، عن نجمٍ، بيد أن الريح تسوق الغيوم الكثيفة صوب الأفق وقد حجَبت حتى زُرقة السماء.

أغلقت النافذة وأنا أنظر إلى الساعة التي تشير إلى الثالثة صباحًا فيما السكون يملأ المكان. جلستُ أُنصِت إلى صوتِ تنفسي البطيء. أتساءل لو توقف ماذا يكون؟ هل يعلم بي أحد؟هل تخرج صحف الصباح تحمل مانشيتًا طويلًا على ثمانية أعمدة «فلان توقف تنفسه مع نسمات الصباح الأولى»؟!

يدهمني شعور بأن تنفسي قد توقف حقًا. أنهض مفزوعًا وأنا أشهق وأزفر مؤكدًا بأن تنفسي لم يتوقف. أعود إلى هدوئي أرقب عقارب الساعة التي تنبض أنظر إلى جهة اليسار حيث تحتضن ضلوعي قلبي، أُحس بأنه يطرق وهو ينفض ثوبي، أشعر بنبضه بكل عرق بجسدي، أسمع خفقاته وكأنه صوت طاحونة تنبض بجسد الفجر، غير أن الريح التي صفعت النافذة أيقظتني من تأملاتي، وأشحت بنظرتي صوب النافذة التي تهزها نسمات الريح وهي تُصفر ثم انقطع عويلها في صمت مطبق، أنظر حولي؛ جرائد مبعثرة بغير نظام، فنجان قهوة مملوء كنت قد أحضرته، تذكرت باني لا أعيش ولكنني أتدحرج كحصاةٍ كبيرةٍ ثقيلةٍ.

ميلادٌ

«من أنتِ يا ضوء النهار؟

تعالي. أشرِقي.

فإني أراكِ مثلما يرى النهار في عيون

الليل، كوني أنا، لأنني أيقظت

النهار من أحضان الليل»