في السياسة

صدام حسين والرهان على الزمن

غزو العراق خلق مفهومًا جديدًا

صدام حسين والرهان على الزمن

 

إن عاملَ الزمنِ هو الوحيد الذي لا يستطيع الإنسان أن يقاومه أو يجعل خياراته ممكنة في ظل ظروفٍ قاسيةٍ وحصارٍ طويلٍ لِشعب فقد كرامته وعزته وأمله تحت ظلال الأماني في عروبة فقدت نصابها منذ أمد طويل. إن الرهان على الزمن قد يكون مجديًا في بعض الحالات التي تتطلب الصبر والانحناء للعواصف السريعة، ولكنه بكل تأكيد غير مُجديٍّ أمام طوفان يجتث العروق من جذورها. إن الواقع المرير الذي يعيشه الشعب العراقي أكثر مرارة من طعم الهزيمة العسكرية التي تلقاها صدام حسين في حرب تحرير الكويت رغم قساوتها وشدتها، ليس على الجندي العراقي فحسب، وإنما على كل جندي عربي حتى أولئك الذين شاركوا في الحرب ضد العراق. قد يكون الغرب بفكره السياسي متآمرًا على العرب ويسعى بكل قواه الاقتصادية والعسكرية إن لزم الأمر إلى عدم اكتمال التضامن العربي سياسيًا واقتصاديًا ولكنه بكل تأكيد ليس مسؤولاً عن معاناتنا كعرب من الذل والانكسار والهزائم. لقد ارتكب صدام حسين أكبر حماقة في التاريخ عندما اتخذ قرارًا بغزو الكويت فهو لم يقصم ظهر العروبة فقط، وإنما قتلها وشيَّعها الى مثواها الأخير؛ على الأقل في المفهوم السابق للقومية العربية، فرغم مرور اثني عشر عامًا؛ وهي مدة زمنية ليست بالقصيرة، لم يزل الجرح العربي يندى. إن المتتبع للأوضاع في منطقة الخليج يدرك جيدًا أن صدام حسين كان يسيطر على الكويت سيطرةً تامةً قبل الثاني من أغسطس 1990 حيث كانت عناوين الصحف تصاغ في بغداد قبل أن تظهر للملأ. لقد كان بإمكان صدام حسين أن يأخذ كل شيء من الكويت دون أن يحرك دبابة واحدة صوب الجنوب ولكنه في احتلاله حرَّرها من العراق للأبد. لقد كان بإمكان صدام حسين أن يفعل أشياء كثيرة غير ضم الكويت، كان بإمكانه أن يحتل آبار النفط إلى الحدود السعودية دون أن يدخل المدن الكويتية ويشرّد أهلها تحت لهيب الشمس الحارقة ويحشد ضده لأول مرة في التاريخ جيوش العالم، ولكنها لحظة عماء عن العقل وتغاضٍ عن وخز الضمير.

لقد خلق صدام حسين مفهوماً جديداً في الجيل العربي الذي تكون وعيُه إبان غزو الكويت، مفهومًا أكثر ارتباطاً في مصالحه القُطرية والاقتصادية على حساب البعد القومي.

صدام حسين و بعد فشله في الاحتفاظ بالكويت، لازال يراهن على الزمن من أجل تغيير الواقع في المنطقة، ولازال الحلم يسكن خياله بعودة أمجاد العراق ما قبل غزو الكويت، ولكنها ستبقى مجرد أحلام يتوسدها صدام في حين يُسام العراقيون أشد أنواع العذاب والذل.