في السياسة

تشييع الإرادة العربية

-1-

إن الصورةَ التي تسيطرُ على المشهد العربي تعيد عرض نفسها في تأكيد صورة الهزيمة وما يختلجها من تذبذب في الرؤية العليا التي يندرج تحتها الأمن العربي.

وهذا التأكيد الذي يسعى من أجله الآخر في تحطيم النفسية العربية، والتي بدأت ضرباتها عام 1492 إلى آخر الضربات المميتة التي «شخلت» آخر الدم العربي، وفي نقطة البداية نفسها يعاد تصوير المشاهد -1992- في أسبانيا وما بينهما من هوة زمنية تمتد في فضاء خمسمائة عام.

-2-

والسؤال الذي يلح في العقل العربي: لماذا هذا الانتكاس والشتات وغياب الرؤية التي تضم بين رحمها «الحلم العربي»؟ في حين أن العالم يضع الآن قدمه على عتبة القرن الواحد والعشرين؛ في تكتلاتٍ اقتصاديةٍ وسياسيةٍ وخطط وأفكار لِما سيكونُ عليه العالم خلال القرن الحالي، في حين أن الإرادة العربية شبه معطلة، وكأننا لا نملك مفاتيح حتى التفكير بذواتنا أو حتى تحديد مصير هويتنا؟

إن غيابَ تصورِنا للمشهد العربي على المدى المنظور والمستقبلي من الماء إلى الماء، يؤكد حقيقة نومنا على أحلام تحديات الطموح العربي و«حرق إسرائيل» و«هزيمة الإمبريالية» بينما يؤكد الواقع أننا سنستيقظ على كابوس تكريس الهزيمة التي تمنتها أولى الحملات الصليبية لقهر الإرادة العربية التي تمثل القلب للعالم الإسلامي، والتي لم يبق من خطوطها الدفاعية سوى خطٍ بقدر «الشعرة».

-3-

كأن السلام اليوم الذي يتصاعد في الخطاب الإعلامي والسياسي والتَّهافت العاطفي في أحضان العدو، هو الذي يُبقي هذه الشعرة في منأى عن انتهاء دورنا من خارطة العالم، بيدَ أنَّها في حقيقةِ الواقعِ ليست إِلَّا تجريدًا مِن آخرِ ما نملكُهُ كعربٍ من هويتنا التي لا نملك حتى حقَّ تحديدِها أو اختيار مسمى لها.

ولو أعدنا الذاكرة إلى الوراء، عندما حطم «فاسكودي غاما» البرتغالي الأسطولَ العربيَّ وأعلن بكل عنفوان وهو يؤكد رؤيته عبر أفق الزمن المستقبلي قائلًا: هذه الخدمة الجليلة التي سنقدمها لله بطرد العرب من هذه البلاد «شرق آسيا» و بإطفائنا شعلة أمة محمد بحيث لا يندلع لها هنا بعد ذلك لهيب، وإنني لعلى يقين أننا لو انتزعنا تجارة «مقلة» «من أيديهم لأصبحت كل من مكة والقاهرة أثرًا بعد عينٍ».

-4-

هذا الخطاب كان يؤكد تدمير القوة العربية من داخل ذاتها، وتكريس الهزيمة حيث يعود العرب إلى أسبانيا بعد خمسمائة عام (1492-1992)، لِيكرسوا الهزيمة مرة أخرى و تبديد الأحلام العربية وغرقها في تلك البحار إلى الأبد، وقهر إرادتها أمام شعوبها، ومن هنا كيف «يمكن للصور المتراصَّة على امتداد تاريخ يبلغ عدة مئاتٍ من السنين أن تتجمع داخل إطار واحد في الصورة النهائية مشهداً يختزل الزمن المنظور في الإطار ذاته؟».

وهذا يدفعنا لقراءة كتاب المستقبل الذي اختلطت أحباره على صفحات الزمن ولم تعد الكلمات واضحة، كأننا ملزمون الآن بكتابته تحت الذل الذي بدأ منذ أن اجتاحت قوة صدام حسين الكويت، معلنًا سقوط الإرادة العربية كاملة في السادس عشر من يناير عام 1991 ميلادية.