في السياسة

السعودية بين التطوير و التغيير

الإصلاح السياسي بذرة ضمن إطار اقليمي و دولي

السعودية بين التطوير و التغيير

 

أصبحت السعودية منذ هجمات الحادي عشر من سبتمبر 2001 محطَّ أنظار العالم الذي بات يعد نسمات الشهيق والزفير التي تطلقها وأصبحت حركتها الداخلية المجتمعية بكل مكوناتها السياسية والاقتصادية والثقافية صعودًا وهبوطًا تطرح أسئلة مُلِحَّةً وكثيرة.

هل نحن بحاجة إلى “إصلاح و تغيير” في البنية السياسية؟

تطوير البنية السياسية

سقط بعض المثقفين السعوديين تحت تأثير بعض المقولات الجاهزة مثل “الإصلاح والتغيير” و غيرها دون أن يلتفتوا لواقع المجتمع و تركيبته الاجتماعية والثقافية، وما إذا كان هذا المجتمع يسير في حالة صعود وتطوير واعٍ.

و يعلق أحد الكتاب السعوديين في محاولة منه لإسقاط الأعمال الإرهابية التي وقعت داخل البلاد على قضية الإصلاح بقوله:” تأخير عملية الإصلاح يخلق مناخا ملائما لقوى التطرف والإرهاب”. متناسيا أن قضية التطرف و الإرهاب هي ظاهرة عالمية نتيجة احتقانات تراكمية كثيرة فكرية وسياسية واقتصادية تشكل عملية الإصلاح السياسي بذرة فيها ضمن إطار عام إقليمي و دولي.

و هذا يدفعنا إلى القول إن هناك حركة متفاعلة نحو التطوير منذ تأسيس البلاد التي كانت مجرد قطعة جغرافية تحكمها الفوضى والجهل قبل سنة 1932 عندما جمع شتاتها الملك عبد العزيز إلى أن وصلت اليوم إلى ما هي عليه كدولة حديثة متفاعلة مع الحداثة و متكئة على تراثها.

وقال الملك فهد بن عبدالعزيز في سياق هذا البناء تأكيدا على المضي قدماً في حركة “التطوير” إن قيودا مشددة ستُفرض على أداء الأجهزة الحكومية.

وأكد على المشاركة الشعبية وفتح آفاق رحبة لعمل النساء في إطار تعاليم الدين الإسلامي.

و تأكيدًا على أن عملية الإصلاح ليست وليدة ظروف معينة أو نتيجة “لفعل” خارجي أو حتى داخلي، و إنما هي عملية متولدة من فكر سياسي يرى أن عملية التطوير “سنّة”، وقد أكد الملك فهد في هذا السياق: أن مسيرة الإصلاح لم تنقطع وسوف تستمر، وأن طريق الإصلاح السياسي و الإداري متواصل.

و يعبر عن مرحلة “التطوير” التي هي حركة بنيوية متصاعدة وفق وتيرة زمنية مرسومة من أجل الوصول إلى بناء المجتمع الذي تنخرط فيه تيارات مؤسسات المجتمع المدني وهو مدركٌ لواقعه متفاعلٌ مع الآخر لا على التضاد معه، الأمير نايف بن عبدالعزيز وزير الداخلية السعودي بقوله: نعم هناك تطوير وليس تغييراً في البلاد. و يلحظ “المراقب” أن هذه الجملة تحمل دلالات المراحل التي واكبت حركة التطوير التي عاشتها البلاد على مدى 80 عاما.

والقضية التي لا يستوعبها الآخر هي أن المجتمع السعودي مختلف عن أي مجتمع آخر في العالم، سواء كان في تركيبته القبلية أو الفواصل الجغرافية حيث لا يمكن له أن يتوافق إلا ضمن هذا “الدستور” الذي يحكم البلاد وفق الشريعة الإسلامية ونظام وضع في حسبانه التراكم الثقافي والأعراف الاجتماعية منصهرة في بوتقة واحدة متناغمة وفق قانون لا يسمح بأي حالة من الشذوذ.

و كلمة التطوير تعني أن المجتمع و الدولة يتفاعلان مع ما يحدث من تطوير في البنى السياسية والاقتصادية والثقافية في المجتمعات الإنسانية الأخرى، والتغيير يعني التضاد، وهو أن المجتمع والدولة تفصل بينهما رؤى غير متجانسة وغير قادرة على التمازج، مما يعني أنه لا بُدَّ من إزاحة أحدهما للآخر، وهذا الشيء غير موجود في بنية المجتمع السعودي على مستوى بنيوية المجتمع بشكل عام بكل فئاته الاجتماعية التي تشكل السواد الأعظم، وهذا لا ينفي وجود فئات أخرى ترى غير ذلك ولكنها ضئيلة وغير مؤثرة في السياق العام.

فالدولة لا تستطيع أن تفرض التطوير بشكل متسارع على المجتمع و تحدث إصلاحات في بناها، دونما أن يكون المجتمع مستعداً لذلك، وقد ألمَحَ إلى ذلك الأمير “سعود الفيصل” بقوله: لا نريد أن نحطم ما يسمى بالعقد الاجتماعي للبلاد، بأن نفرض أموراً على الشعب لا يريد أن يقوم بها.

وقد أكَّد أكثر من مسؤول سعودي على أن هناك حركة دائمة نحو “التطوير” داخل البلاد تحدث ليست لها علاقة بالضغوط الخارجية أو المتغيرات الإقليمية، وإنما هي خطط تنفذ وفق دراسات وبرامج عمل تسير في الإطار الزمني.

إن إلقاء نظرة إلى الخلف قليلًا وعلى مدى الأعوام العشرين الماضية، يثبت أن هناك تطوراً تصاعدياً هائلاً قد حدث في المملكة.

ففي النظام السعودي بشكل عام، سُنَّت الكثير من القوانين التي تراعي مصالح “المواطنين” إلى أن وصل الأمر إلى إنشاء النظام الأساسي للحكم وهو دستورٌ مكتوبٌ للبلاد يسمح بمشاركة المواطنين في “صناعة القرار” سواء من خلال مجلس الشورى أو مجالس المناطق.

وفي السنتين الماضيتين، حدث تحولٌ كبيرٌ في مجال إفساح المجال للصحافة المحلية في النقد، و جمعية للصحافيين السعوديين وقبل ذلك جمعية لحقوق الإنسان كل ذلك يدل على أن هناك تطويراً في بنية النظام وليس هوة تفصل قمة الهرم عن القاعدة.

تطوير التعليم:

نعتقد أن هناك حاجة مُلِحة اليوم إلى “تطوير” التعليم بما يتماشى مع التطوير الذي يحدث في العالم لا سيَّما أن التعليم التلقيني لم يعد مُجدِيًا في عصر ثورة المعلومات، حيث إننا بحاجة إلى إعادة النظر بشكل أكثر عمقا في العملية التعليمية بِرُمَّتها، لا سيَّما أن مخرجات التعليم بما فيها الجامعية أدت إلى تراكم البطالة وعدم استيعاب سوق العمل لتلك المخرجات.

أفق المستقبل:

إن السؤال الذي يتبادر إلى الذهن: هل نحن بحاجة إلى “إصلاح و تغيير” في البنية السياسية؟ هل نحن نعيش في واقع غير قابل للنهوض والتطوير؟ هل نحن غير قادرين على هضم واستيعاب ما يحدث من حولنا؟

إن الإجابة، دون شكٍ هي: “لا”، لأن هناك حركة وعي داخل المجتمع وهناك عملية بناء الإنسان وتطوير في هيكلية الفكر السياسي والاقتصادي والاجتماعي، وأيضا الثقافي كل بضع سنوات.

إن ما نحاول قوله هو أننا نسير كدولة ومجتمع في الطريق الصحيح وإن كانت بعض الخطوات بطيئة، إلا إننا نسير نحو أفق المستقبل.