في السياسة

الديمقراطية و زبانية الأنظمة

لم يفتأ الرئيس الأمريكي بوش وإدارته يتحدثون عن الديمقراطية والحرية وحقوق الإنسان والمجتمع المدني… إلخ، ويخرجون كل يومٍ على محطات التلفزة مطلقين عباراتٍ، وكأنهم مُحرِّرو الأرض والشعوب من نيران الاستغلال، ويطلقون وُعودًا بالأمن والمستقبل المزدهر، وكأننا لم نرَ نتائج أعمالهم السابقة في أماكن عدة، وكأن هذه المُثُل والقيم لا تأتي إلا عبر حاملات الطائرات والصواريخ والمارينز.

من السهلِ أن يتحدث الرئيس بوش وهو جالسٌ على أريكته، ويحتسي قهوته الأمريكية في مزرعته في تكساس بالقرب من مدفأته عن الإصلاحات الديمقراطية في الشرق الأوسط وتغيير الأنظمة، في الوقت الذي يفكر فيه الإنسان العربي بمصدر العمل ويبحث في غياهب ليله الطويل عن مستقبل ينتظره.

و تتكرر المطالبة بإجراء الإصلاحات السياسية حسب المفهوم الأمريكي، ووفق الرؤية الأمريكية، و بمعنى آخر؛ بناء المجتمعات الديمقراطية على حد زعمهم. لكن تتناسى هذه المطالبات أن هذه الأمة لديها ثقافتها الخاصة التي تغوص بعيدًا في جذور اللاوعي، وأن هناك مشكلات كبيرة وإشكاليات مزمنة بحاجةٍ إلى الإصلاح أولًا.

لقد عانينا كثيرًا كشعوبٍ حتى أصبح اليأس والإحباط وفقدان الأمل عنوانًا دائمًا لأيامنا، فما أكثر مشكلاتنا؛ ابتداءًا من مشكلة التنمية التي نحتاج فيها إلى تجييش قوانا كلها من أجل أن نصل إلى نقطة الصفر حتى نستطيع أن نبدأ.

ثم مشكلة الفساد الإداري و المالي المتفشي في الجذور والمنتشر في خلايا الجسد العربي سرطانًا مميتًا، هذا المرض “الظاهرة” الذي يلقي بظلاله على مختلف الأجهزة في أصقاع البلاد العربية قاطبةً.

و المشكلة الأخطر والأكبر التي هزمت الإنسان العربي من الداخل وحطمت نفسيته وسحقت ذاته هي مشكلة استغلال النفوذ و السلطة لِتهميشِ الآخر و سلبه حقوقه و جعله خانعًا خاضعًا مصفقًا لا يقوى إلا على قول “نعم”.

إننا بحاجة إلى التخلص من الزبانية الذين يوهمون صانع القرار بأن كل شيء على مرام وأن الشعب يسبح ويحمد ليلًا نهارًا لله تعالى أن تدوم هذه النعم في ظله.

لقد أصبح صانع القرار يرى الأشياء بعيون هذه الفئة و يتخذ قراره وفقًا لرؤاها دون أن يرى الحقيقة، فالحقيقة تختفي و تظهر بالقدر الذي تريده هذه الفئة، وَوِفق ما يساير مصلحتها، وبالتأكيد يصادرون مصلحة الشعوب والبلاد ويختزلونها بمصالح فردية صغيرة، و على الشعب البائس دفع ثمن قرارات كهذه.

إننا نحتاج إلى حل كل هذه الإشكاليات لِنرى بعدها ما يناسبنا من تلك الديمقراطية، إذ لا تستطيع العربة أن تسير وإطاراتها مثقوبة، ولا يمكننا بناء مؤسسات المجتمع المدني و نحن لا نعرف معاني مفرداتها، ولا يعقل أيضًا أن نأخذ المطالبات الأمريكية على أنها حسنة النية، فهم ينظرون إلى الأمور من منظار مصلحتهم و فائدتهم قبل كل شيء.

الوقت يمر و علينا إعادة النظر بأشياء كثيرة قبل أن تُفرض هذه الإعادة من الآخر.